عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

239

اللباب في علوم الكتاب

فالجواب « 1 » : أنهم وإن كانوا يعرفون أصل هذا الدليل إلا أن الاطّلاع على آثار حكمة اللّه - تعالى - في كلّ واحد من مخلوقات هذا العالم بحسب أجناسها ، وأنواعها ، وأشخاصها ، وأحوالها مما لا يحصل إلّا لأكابر الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ، ولهذا كان عليه الصّلاة والسّلام يقول في دعائه : « اللّهمّ أرنا الأشياء كما هي » « 2 » . فصل في تفسير الملكوت قال قتادة : « مَلَكُوتَ السَّماواتِ » : الشّمس ، والقمر ، والنجوم ، وملكوت الأرض : الجبال ، والشّجر ، والبحار « 3 » . قوله : « وليكون » فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أن « الواو » زائدة ، أي : نريه ليكون من المؤمنين باللّه ، و « اللام » متعلقة بالفعل قبلها ، إلا أن زيادة « الواو » ضعيفة ولم يقل بها إلّا الأخفش « 4 » ومن تابعه . الثاني : أنها علّة لمحذوف ، أي : وليكون أريناه إياه ذلك ، والتقدير : وليكون من الموقنين برؤية ملكوت السّموات والأرض . الثالث : أنها عطف على علّة محذوفة ، أي : ليستدل وليكون ، أو ليقيم الحجّة على قومه ، واليقين : عبارة عن علم يحصل بعد زوال الشّبهة بسبب التّأمّل ، ولهذا المعنى لا يوصف علم اللّه بكونه يقينا ؛ لأنّ علمه غير مسبوق بالشبهة ، وغير مستفاد من الفكر والتأمل . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 76 ] فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ( 76 ) قوله : « فلمّا جنّ » يجوز أن تكون هذه الجملة نسقا على قوله : « وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ » عطفا للدليل على مدلوله ، فيكون « وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ » معترضا كما تقدم ، ويجوز أن تكون معطوفة على الجملة من قوله : « وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ » . قال ابن عطيّة « 5 » : « الفاء » في قوله : « فلمّا » رابطة جملة ما بعدها بما قبلها ، وهي ترجح أن المراد بالملكوت التّفضيل المذكور في هذه الآية ، والأوّل أحسن ، وإليه نحا الزمخشري « 6 » . و « جنّ » : ستر وقد تقدم اشتقاق هذه المادة عند ذكر الْجَنَّةَ [ البقرة : 25 ] وهنا خصوصية لذكر الفعل المسند إلى الليل يقال : جنّ عليه الليل ، وأجن عليه بمعنى : أظلم فيستعمل قاصرا ، وجنّه وأجنّه ، فيستعمل متعديا فهذا مما اتفق فيه فعل وأفعل لزوما

--> ( 1 ) ينظر : الرازي 13 / 37 . ( 2 ) ذكره الرازي في تفسيره 13 / 37 . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 5 / 243 ) عن قتادة . ( 4 ) ينظر : معاني القرآن 125 . ( 5 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 312 . ( 6 ) ينظر : الكشاف 2 / 40 .